ابن كثير

293

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الحسن ، سأله رجل : أتيت بطير كرى « 1 » ، فمنه ما قد ذبح فذكر اسم اللّه عليه ، ومنه ما نسي أن يذكر اسم اللّه عليه ، واختلط الطير ، فقال الحسن كله كله ، قال : وسألت محمد بن سيرين فقال : قال اللّه : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ . واحتج لهذا المذهب بالحديث المروي من طرق عند ابن ماجة عن ابن عباس ، وأبي هريرة ، وأبي ذر ، وعقبة بن عامر ، وعبد اللّه بن عمرو ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم « إن اللّه وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » وفيه نظر ، واللّه أعلم . وقد روى الحافظ أبو أحمد بن عدي من حديث مروان بن سالم القرقساني ، عن الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : جاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : يا رسول اللّه أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم « اسم اللّه على كل مسلم » . ولكن هذا إسناده ضعيف ، فإن مروان بن سالم القرقساني أبا عبد اللّه الشامي ضعيف ، تكلم فيه غير واحد من الأئمة ، واللّه أعلم . وقد أفردت هذه المسألة على حدة ، وذكرت مذاهب الأئمة ومأخذهم وأدلتهم ووجه الدلالات والمناقضات والمعارضات ، واللّه أعلم . قال ابن جرير « 2 » : وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية : هل نسخ من حكمها شيء أم لا ؟ فقال بعضهم : لم ينسخ منها شيء ، وهي محكمة فيما عنيت به ، وعلى هذا قول مجاهد وعامة أهل العلم ، وروي عن الحسن البصري وعكرمة ما حدثنا به ابن حميد ، حدثنا يحيى بن واضح ، عن الحسين بن واقد ، عن عكرمة والحسن البصري ، قالا : قال اللّه فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ وقال وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ فنسخ واستثنى من ذلك ، فقال وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ . وقال ابن أبي حاتم : قرئ على العباس بن الوليد بن مزيد ، حدثنا محمد بن شعيب ، أخبرني النعمان ، يعني ابن المنذر ، عن مكحول ، قال : أنزل اللّه في القرآن وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ثم نسخها الرب ورحم المسلمين فقال الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ فنسخها بذلك ، وأحل طعام أهل الكتاب . ثم قال ابن جرير : والصواب أنه لا تعارض ، بين حل طعام أهل الكتاب ، وبين تحريم ما لم يذكر اسم اللّه عليه ، وهذا الذي قاله صحيح ، ومن أطلق من السلف النسخ هاهنا فإنما أراد التخصيص ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم . وقوله تعالى : وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ قال ابن أبي حاتم : حدثنا

--> ( 1 ) كرى : جمع كروان ، وهو طائر بين الدجاجة والحمامة حسن الصوت . ( 2 ) تفسير الطبري 5 / 330 - 331 .